فلسطين بين الدين والعلمانية


عزيز أبو سارة
واشنطن العاصمة – تعرّضت الهوية الفلسطينية خلال العقود الثلاث الماضية إلى تغييرات هائلة. ويشير استطلاع أجراه برنامج الأمم المتحدة الإنمائي نُشِرَت نتائجه في نيسان/إبريل الماضي أن 47% من سكان غزة والضفة الغربية يعرّفون أنفسهم أولاً وقبل كل شيء كمسلمين. ويثير هذا الاستغراب، إذا أخذنا بالاعتبار أن المجتمع الفلسطيني كان يعتبر في يوم من الأيام أحد أكثر المجتمعات علمانيّة في العالم العربي، وأنه قبل ثلاثة عقود لم يكن للإسلام السياسي سوى دور محدود جداً في الحركة الوطنية الفلسطينية. كذلك وجدت الدراسة أن 80% من الشباب الفلسطينيين مصابون بإحباط مزمن، مما يثبت الاعتقاد السائد بأن المستقبل لا يحمل سوى القليل من الأمل لهم.

ولا يشكل نصر حماس في الانتخابات الفلسطينية الأخيرة سوى واحد من المؤثرات بأن المجتمع يبحث عن أجوبة في وقت اليأس والفساد والظلم. تحوّل الناخبون الفلسطينيون، سعياً وراء التغيير إلى حماس آملين أن يحصلوا على الصدق والشمولية ورؤية للمستقبل.

إلا أن الاستطلاع يُظهِر أن العديد من الفلسطينيين سئموا حماس بعد الانتخابات مباشرة، إذ فشلت حماس في تحقيق وعودها بأجندة فلسطينية موحدة. وقد ناقشت عدة أصوات بأن القيادة الإسلامية فشلت وأنه يجب ألا تلعب المنطقة دوراً في الحياة السياسية الفلسطينية. وتدّعي هذه الحركة العلمانية أن المجموعات الدينية مثل حماس والمجموعات اليهودية المتطرفة تشكّل جزءاً كبيراً من المشكلة، وبالتالي يجب إزالتها من العملية السياسية والمدنية.

ولكن رغم صحّة أن القادة الدينيين والمنظمات الدينية صبّت وقوداً على نار النزاع، إلا أن ذلك لا يعني أن القيادة العلمانية هي الجواب الوحيد. على العكس من ذلك، يلعب الدين، بل ويجب أن يلعب دوراً أعظم في حل المشاكل التي تواجه المجتمع الفلسطيني.

هناك سوابق تاريخية كثيرة للدور الثنائي الذي يمكن للدين أن يلعبه في تشكيل العقيدة السياسية. ففي الولايات المتحدة على سبيل المثال، كانت فترة ما قبل الحرب الأهلية فترة غضب ويأس، واستُخدِم الدين فيها أيضاً لتبرير الظلم والفساد. وقد استشهد الزعماء الدينيين والسياسيين بنقاشات توراتية يهودية ومسيحية لتعليم العبيد بأنهم أقل منزلة من البيض، وقادت الكنائس والقساوسة جهود الحفاظ على العبودية في الجنوب. وقد تكلم القسّ المعمداني أر فورمان نيابة عن العديد من الجنوبيين عندما كتب قائلاً: “إن الحق في امتلاك العبيد موجود بشكل واضح في الكتب المقدسة، ضمنياً وعلى شكل أمثلة”.

وحتى الرئيس الجنوبي جيفرسون ديفيس استخدم الإنجيل ليدّعي أن العبودية تأسّست بمرسوم إلهي. ولم تنته هذه المعتقدات مع تحرير العبيد، إذ استمر علماء الدين بدعم التمييز والرعب والهجمات العنصرية ضد السوء في المجتمع حتى فترة متقدمة من القرن الذي تلا.

إلا أن القادة الدينيين كانوا في مقدمة حركة ضخمة باتجاه التحرير والحقوق المدنية في الولايات المتحدة الأمريكية. عارض البيض والسود أمثال جوناثان دانييلز ومارتن لوثر كنغ الابن العنف الديني والجهل والعنصرية برسالة حب ولاعنف وعمل ناشط. لم يتحولوا ضد الدين عندما خذلهم الزعماء الدينيين، وإنما تحدّوا الوضع الراهن للدين. ومن المعروف جيداً إن كنج الابن استخدم منبر كنيسته للدعوة لرسالة جديدة من الأمل.

وبأسلوب مماثل، ورغم أن الإسلام استُخدم من قبل العديد من الفلسطينيين لدعم العنف بل وحتى تبرير المؤسسات السياسية الفاسدة، إلا أن الناس نسوا إن الإسلام غني كذلك بالكتب الدينية حول السلام والتعاطف. وقد رفض نبي الإسلام نفسه الحرب لمدة بلغت 13 سنة عندما كان في مكة، وبقي يعلّم ويعظ رغم الظلم والتعذيب.

وفي المناطق الفلسطينية حيث يتحوّل العديد من السكان للدين، لا يمكن تجاهل العقيدة ويجب عدم تسليمها إلى المتطرفين. يتوجب علينا أن نرفض فكرة أن خياراتنا السياسية مقتصرة إما على التطرف أو رؤية علمانية صرفة.

الوقت جاهز لحركة لا عنفية في المجتمع الفلسطيني تظهر من أقل الأماكن توقعاً: من المساجد والمعاهد الدينية والمراكز الإسلامية. تُتهم هذه الأماكن أحياناً بأنها أماكن ولادة العنف، ولكنها يمكن أن تكون كذلك أماكن ولادة أفكار إيجابية للتغيير. لقد نجحت حركات لا عنفية ترتكز على الإيمان في الماضي في إثارة الجماهير وتغيير الواقع السياسي حيث بدا ذلك مستحيلاً، وباستطاعتها توفير نفس الأجوبة اليوم.

لقد حققت الأساليب اللاعنفية بعض النجاح في قرى مثل “بدرس”، حيث ضم الفلسطينيون المتدينون والعلمانيون أيديهم معاً لمقاومة جدار الفصل الذي كان سيمر عبر أراضيهم. نجحت احتجاجاتهم وتم تغيير مسار الجدار، إلا أن الحركة اللاعنفية الفلسطينية ما زالت مفرّقة وعلمانية في معظم الحالات. وباعتقادي بأن الحركة تحتاج لرسالة أخلاقية وروحانية من العدالة، تستطيع أن تربطنا معاً. ولا يمكن لذلك أن يحدث في غياب الحضور القوي للقادة الدينيين وأعضاء المجتمع المتدينين. وتماماً مثلما عارض القس مارتن لوثر كنج الإبن وجوناثان دانييلز المسيحيين العنفيين بعقيدة دينية مسيحية مختلفة لاستعادة دينهم وأخلاقياتهم، يتوجب على الفلسطينيين كذلك كقوة أن يتوحدوا بدلاً من أن يتفرقوا.

لا تعني الحرية الدينية فقط حرية العبادة، بل تضم كذلك حرية استخدام الدين بشكل بنّاء في تحفيز الناس على إجراء تغييرات إيجابية في الحكومة. يشكّل الدين في منطقة جرى فيها اختطاف الدين لصالح أجندات المتطرفين عنصراً أساسياً لإيجاد مستقبل أفضل. لهذا يملك الفلسطينيون اليوم فرصة استخدام الدين لإلهام ولادة حركة لا عنفية تستطيع توحيدهم في سعيهم للحرية.

###

* عزيز أبو سارة هو مدير مشاريع الشرق الأوسط في معهد الديانات العالمية والدبلوماسية وحل النزاعات بجامعة جورج ميسون والفائز بجائزة إلياف سرطاوي لصحافة الأرضية المشتركة. يمكن الاتصال به على العنوان azizabusarah@gmail.com. هذا المقال جزء من سلسلة خاصة حول الحريات الدينية في إسرائيل والسلطة الفلسطينية، وقد كُتب هذا المقال لخدمة الأرضية المشتركة الإخبارية.

مصدر المقال: خدمة الأرضية المشتركة الإخبارية، 8 شباط/فبراير 2010
www.commongroundnews.org
تم الحصول على حقوق نشر هذا المقال.

Tinggalkan Balasan

Isikan data di bawah atau klik salah satu ikon untuk log in:

Logo WordPress.com

You are commenting using your WordPress.com account. Logout / Ubah )

Gambar Twitter

You are commenting using your Twitter account. Logout / Ubah )

Foto Facebook

You are commenting using your Facebook account. Logout / Ubah )

Foto Google+

You are commenting using your Google+ account. Logout / Ubah )

Connecting to %s